حي الناباص.. وعالمي الصغير

في سنوات طفولتي الأولى، كنت أشعر بفرحة عارمة تغمرني حينما تصحبني أمي او أحد إخوتي إلى بعض الشؤون خارج البيت. كان ذلك خروجا من القوقعة وتفتيحا للمدارك والآفاق، يرتوي بذلك الذهن فأتعرف على الأشياء والأسماء، وأتعلم من أمور الدنيا وعوائدها ما تتيحه الظروف. كان لي ما لغيري  من حظ في الغث والسمين، ومما يرفع أو ينفع.

 التجول في ظني آنذاك هو أن أطل على أكناف الدرب في حي الناباص،  وأطلق سيقاني للريح،  حرة أخترق الحواجز وأتحدى الحدود. ما أن نعبر شارع عمر بن الخطاب حتى أشعر أني سافرت إلى مكان آخر. ولا أدري كيف اعتقدت أني في القصر الكبير. لا ريب أنه تناهى إلى مسامعي في إحدى مسامراتنا العائلية حديث عن ترتيب المدن على الخريطة فأسقطتها على عويلمي الملموس. فإذا عطفنا  يمينا حيث زنقة مولاي العربي العلوي أصرخ في حماس: لقد وصلنا إلى القنيطرة. كانت أختي الكبرى تبتسم وتسايرني وتومئ موافقة على ما أقول فيترسخ اعتقادي ونحن نتوغل في زنقة السعديين حتى ( الدار البيضاء) حيث  Grupo  Colonel Manso وهي دور متراصة بأسطح من قرميد، وأوتيت على بساطتها من لطائف البدائع ومحاسن العمران وكأنها اقتطعت من حكاية رومانسية. كانت همتي تتقد  حتى أشعر أني بجناحين أطير في رحاب الفضاء، أصعد  الأدراج وأنزل من أخرى، أركض في صخب وأنال من الابتهاج ما يعز نظيره و ما لا تجود به سائر الأيام.

أما البلاصا، وهو السوق المركزي، فهي أكادير. فيها ما استلذت الأهواء والطبائع، وما تشتهي النفس من مستطرفات سائغات، مما ازدرد الزاردون ودخل في مقام " كلوا من طيبات ما رزقناكم" أشكالا وألوانا من خضر وفواكه غير مقطوعة ولا ممنوعة، حب الرمان وحب الملوك وما جرى مجراها، ولحم وأبازير، وحيتان ودجاج مما حمر وجمر في القدر وقدم في الصحائف وما يطاف به على الموائد. أما شلة الإسبانيات وسط السوق وهن يتجاذبن أطراف الحديث ويثرثرن مطولا بصوت عال، وذيك الفضول الذي يفترسني وأنا أتساءل عما يقلن، و الباعة الظراف ممن يوفون الكيل والميزان، حمودة يتصدق على الناس بابتسامة دائمة يتهلل بها وجهه الطيب، بائعة الورد ومصطفى صاحب الدجاج وارحيمو وهلم جرا.

هكذا توزعت في ذهني خريطة المغرب ، من أصل الزقاق حيث المسيد وماجاوره وقد أطلقت عليه  أزايلا "أي أصيلة". فإذا عرجنا إلى زنقة عبد المومن بن علي، فتلك طنجة التي سكن طيفها مهجتي وملكت مشاعري ولم أكن زرتها قط، وامتزجت تفاصيلها بين الحقيقة والخيال. فإن أتيحت لي السوانح وسمح الزمان بتطواف ضاف وتجوال شاف فإننا نصل حبال الود ونوثقه  ب بلاصا اسبانيا والمدينة القديمة التي وسمتها بالعيون ووادي الذهب. ولا شك في أن هذه الفكرة قد صححت لي وأيقنت نفسي بخطئها، غير أني أصررت على هذه الإطلاقات من باب المزاح والتسلية.

في ستينيات القرن الماضي،   تحدث مارشال ماكلوهان، رائد فلسفة الاتصال، عن مفهوم القرية العالمية، أما أنا  فعالمي العرائش التي تراءت لي  لما صعدنا ذات مرة ، بفضل آل ( م ) إلى منارة رأس الناظور. معلمة جُعِلَتْ   هديا للساري ودليل البحار، تشق بأنوارها جنح الليل وتعانق ظلال الشفق. رأيت تلك الأبنية المصفوفة وذياك العمران الذي تباينت فيه الأحراز والأملاك، ولاحت في حد بصري المتراميات من السهول والأشجار ذات الغصون، و ثنياتها والغضون، ودفق من شذا النفحات وترانيم الطيور، وزرقة البحر وما فيها من بواعث الافتتان،  والواد المتهادي الذي استمال القلوب وتوشحت بضفافه المروج.  حاضرة جمعت أشتات المحاسن واجتمعت في رحابها المكارم، هي حدود عالمي ومنتهى أفهامي أيام اليفاعة ونعومة الأظفار.

عندما تتفتح لي كوة الذكريات، أطل على ماض سحيق غيبته عوادي الزمان و نوازل الحدثان، وسقط بعض منه في غياهب النسيان، وأحن إلى أناس طاب بهم المقام، وتوحشني محلتي إذ شطت بي النوى، وتدب الجوارح شوقا لتلك الديار التي أخذت بمجامع قلبي وفاضت من خوالجها نفسي. أماكن اقفرت من أهلها وارتادها نشء آخر، فهل من عود على بدء، هيهات: 

هلْ ترجعُ الدَّارُ بعدَ البعدِ آنِسَة ً...و هلْ تعودُ لنا أيَّامُنا الأُوَلُ

ملاحظة: كل تشابه أو تطابق في الأسماء أو الأماكن فهو محض صدفة

#فدوى_المصباحي



حي الناباص.. وعالمي الصغير  حي الناباص.. وعالمي الصغير بواسطة ici larache on يوليو 23, 2022 Rating: 5

ليست هناك تعليقات

مدون محترف

[العاب][videos]