المنزل الصغير في ...غابة لايبيكا

تحرير : فدوى المصباحي

   كانت الساعة تشير إلى العاشرة حينما خرجت من البيت واتخذت طريقي إلى الغابة، في يوم أحد من أيام الربيع ، حيث استيقظت الطبيعة من سباتها ونفضت آثار بياتها الشتوي. اجتزت حي الناباص و الليخيرو ورائحة زهر الميموزا تداعب أنفي. حينما عبرت ساحة مكة، مررت قرب بيت تطل منه شجرة التوت وقد ورفت أوراقها و تدلت ثمارها وأغرت بالقطاف. ثم مضيت قدما، واثقة الخطى، لا أكل ولا أمل، فقد اتفقت مع شامة على اللقاء عندها لحفظ الدروس وإنجاز الواجبات المنزلية. كان ذلك خلال دراستنا في إعدادية الحسن الثاني.

           شامة إحدى صويحباتي وصديقتي الأثيرة. جاءت من عين تاوجطات لتمكث مع أخيها المهندس الغابوي، تؤنس وحدته و ترعى شؤونه. فتاة طلقة الأسارير بسامة المحيا طيبة المعشر . إنها بالأحرى فراشة آدمية.كانت تسكن في منزل صغير في .. لايبيكا. طوال مسيري، كانت فكرة واحدة تراودني فينتابني شعور بين الانشراح والتعجب. كيف تتحقق أحلام اليقظة! ففي مرحلة الابتدائي، كنت أحلم ب "المنزل الصغير في البراري"، حين كنت  أدنو من التلفاز حتى أكاد ألتصق به، لأشاهد هذا المسلسل الأمريكي الذي أحببته إلى حد الهوس. وكثيرا ما مثلنا شخصياته واختلقنا حوارات بفرنسية متعثرة، ونحن نحاول تقمص دور لورا إنغلز وكاري وماري. وقد بلغ ولعي بهذه القصة ( وهي سيرة ذاتية) أن بحثت عنها إلى أن وجدتها في أجزاء عند بائع الكتب القديمة قرب أبينيدا. لذا حين أخدتني صديقتي لمنزلها أدركت معنى الحلم حين يصبح حقيقة. ومذاك الحين، أصبح هذا البيت حقا مكتسبا.فمن ذا الذي يقوى على منعي من التردد إليه!

         وصلت البوابة الرئيسية للغابة، وقد تنفست الريح وهف عطرها نسيما عليلا ينعش القلب ويشد الجوارح. كانت أشجار الصنوبر المعمرة،  باسقة نظرة،  بأوراقها الإبرية المدببة، ممتدة ظلالها، حبلى بما يكفي أهل العرائش من لذيذ  الثمار. فليس منا من لم يذق طعم البينيا المميز .  هذه المخاريط الأرجوانية التي تنضج فتستحيل بنية غامقة، هي أطايب أنعم الله بها علينا. 

        بدأت أرجاء الغابة تمتلئ رويدا رويدا، برواد يقبلون من كل حدب وصوب، والفرق الرياضية، والأراجيح تنتشر في كل مكان. لايبيكا التي احتظنت فيما مضى سباقات الخيل وتدريب الخيالة، هي أيضا البيبيرو حيث المشاتل والمستنبتات الزراعية، وتسمى أيضا أولمبيكا، هي الفضاء المتعدد الأسماء و المشارب، هي المكان الواحد والأهداف الكثيرة.

          يقع المنزل الصغير الأول يمينا، وقد تسور بسياج من قصب. ما إن فتح الباب حتى بدأنا بالصخب والضحك، وصوتنا المرتفع يوشي بسعادتنا الغامرة. عبرنا الممر المعشوشب، وقد تراصت على جنباته أحواض النباتات التي نثرت الجمال برونقها، ثم صعدنا بضعة أدراج ودلفنا إلى الدار. كان المكان عبارة عن غرفة للمعيشة، غرفة نوم، مطبخ، حمام وبهو صغير، الترتيب والنظافة سمته الدائمة بفضل خالتي ارحيمو، وهي سيدة خمسينية، تضفي على المكان سحرا خاصا بفضل لطفها و عملها المتقن، من ترتيب وطبخ وتنظيف. في الخارج امتدت حديقة واسعة و هي عبارة عن مشتل بمثابة مختبر ومحمية زراعية،  تتشكل فيها النباتات  بين الهجينة البديعة، و الأزهار الأخاذة، وأنواع الفطر، والبقوليات، وشتائل الأشجار بفصائلها، من حمضيات وورديات وجوزيات، تتوسطها طاولة صنعت من جدع شجرة ضخمة، طالما تسلينا بتعداد خطوطها لمعرفة عمرها الذي يعود لمئات السنين، وقد توزعت حولها كراسي معدنية زرقاء اللون. فما إن يقبل أخوها لتناول الغذاء حتى ننهال عليه بالأسئلة. وكثيرا ما كان يحدثنا عن ذكاء المستعمر الاسباني فيما تعلق بالشأن الغابوي. فاختيار شجر الصنوبر وخاصة صنف البينيا إلى جانب اشجار البلوط والسرو التي كانت تنتشر في المنطقة، كانت كفيلة بتنقية الأجواء والحد من الغبار والرطوبة، بدل آجام الأوكاليبتوس التي كانت أكبر خطإ بيئي ارتكب في حق المغرب من قبل الفرنسيين. كنا ننظر إليه في ذهول، تغمرنا الدهشة والشعور بالجدة المعرفية، فما أعذب ذاك الإحساس. أما الغابوي المسكين،  فلا يجد من حيلة للإفلات من أسئلتنا الملحة، إلا التعذر بالعمل الذي ينتظره فيخرج مسرعا، تاركا لنا المكان نرتع فيه ونمرح كيفما نشاء. فإذا كانت الدراسة والتمارين لا تستغرق منا إلا النزر اليسير، فإننا كنا نقضي سحابة يومنا في اللعب والبستنة والغناء، وما ينشرح به الخاطر، لا يعكر صفونا هم ولا غم. كان ذلك في لايبيكا، في.. المنزل الصغير.



المنزل الصغير في ...غابة لايبيكا المنزل الصغير في ...غابة لايبيكا بواسطة ici larache on مايو 23, 2022 Rating: 5

ليست هناك تعليقات

مدون محترف

[العاب][videos]